الرئيسية|البومات الصور و الفيديو|العضوية|تسجيل الضحايا|من نحن|اتصل بنا

جرائم وانتهاكات


كتب غرفة الاخبار
29 نوفمبر 2016 1:10 م
-
موت تسعة أطفال في بنغازي، لنقص الأدوية

لا يملك والد سعد أي أمل في زرع نخاع شوكي لابنه المصاب بالسرطان، فتكاليف هذه العملية في المملكة الأردنية قد تبلغ نصف مليون دينار ليبي (365 ألف دولار تقريباً حسب السعر الرسمي)، “وحتى إن تكفلت الدولة بالعلاج، من أين لي بمصاريف السكن والإقامة” يقول الوالد.

مبارك والد سعد هو من سكان منطقة سلطان (110كم غرب بنغازي) وابنه يعاني من سرطان في النخاع الشوكي منذ عام 2012، وقد علم مؤخراً من الأطباء أن وضعه الصحي “خطير”، ويتساءل لماذا لا ينظر المسؤولون في الدولة بعين الاعتبار للحالات المستعصية التي بحسب قوله “ليست كثيرة، ومن غير المعقول أن دولة غنية مثل ليبيا لا تستطيع تغطية تكاليف علاج هؤلاء الأطفال”.

“بعت ممتلكاتي”

وهو يقول هذا الكلام بعد أن استنزف كل المحاولات الممكنة لإيجاد حل لابنه، فقد سافر به أكثر من مرة، واضطر لبيع كل ما يملك في سبيل إنقاذ فلذة كبده، وعاد لاستكمال العلاج أخيراً في ليبيا بعد نفاد موارده، ولكن بعد انتهاء فترة العلاج في بنغازي تدهور وضع ابنه الصحي نتيجة ارتفاع نسبة كريات الدم البيضاء، “وقد أخبرني الأطباء أن حالته الصحية حرجة، ولا تستجيب، وأنه يحتاج إلى زراعة نخاع شوكي”.

وكونه يعجز عن تأمين المصاريف، فضلاً عن كونه والداً لأربعة أطفال آخرين يتكفل بهم جدهم حين يسافر الوالدان مع سعد للعلاج، لا حل لديه سوى إبقائه داخل قسم الأورام بمستشفى الأطفال، حيث يتلقى سعد العناية المتاحة مع نقص الأدوية، ويؤمن له على حسابه حقنة في الظهركل ثلاثة أشهر تكلفه بين 50 إلى 200 ديناراً.

سعد هو واحد من عشرات الأطفال الموجودين داخل المستشفى، ويعانون جميعاً من مضاعفات صحية مختلفة نتيجة نقص الأدوية، وحسب قائمة تحوي عدد الوفيات وتاريخ الوفاة، حصل عليها “مراسلون” من أحد المصادر داخل قسم المعلومات والإحصاء، علمنا بوفاة ثمانية أطفال داخل القسم خلال خمسة أشهر بداية من 2 يناير 2016 وحتى 17 مايو 2016، فلا دواء يسكت المرض، ولا عناية تخفف وطأته، مع ملاحظة أن هذه القائمة لا تحوي الحالات التي تترد على المستشفى وتُتَوفى خارجه.

توفير الدواء

بحسب كلام هدى كويري مدير مكتب الإعلام بمستشفى الأطفال، فقد بدأت الأدوية تنقص داخل القسم منذ عام 2015، حيث بدأت شكاوى أولياء الأمور من هذا النقص، “فمعظمهم لا يملك ثمن قنينة دواء حرارة، فما بالك بجرعة يصل سعرها إلى ثلاثة آلالف دينار وأكثر”.

كويري علمت من وزير الصحة بالحكومة المؤقتة رضا العوكلي بأنه سيل مبلغاً قدره مليون دينار ليبي لإدارة المستشفى لغرض شراء الأدوية لمرضى قسم الأورام، ولكنها أكدت لـ”مراسلون” أن أي دواء لم يتم توفيره للمرضى حتى اللحظة، ما اضطرهم إلى إطلاق حملة جمع تبرعات تحت مسمى “ابدأ بنفسك” منذ شهر يناير حتى شهر يونيو بمجهودات ذاتية، وبالتعاون مع بعض الجهات الخيرية لتزويد الأطفال بالدواء، بينما وزارة الصحة إلى الآن لم تورّد أي أدوية للمستشفى.

حول ذلك يقول وكيل وزارة الصحة نادر كويري لـ”مراسلون” إن المبلغ قد سيل فعلاً وتم التعاقد نتيجة ذلك مع شركة لتوريد أصناف الدواء المطلوبة، ولكن الشركة أخلت بشروط العقد حيث وردت حوالي ثمانية أصناف ذات منشأ هندي بدل الأوروبي المنصوص عليه في العرض المقدم من الشركة، ما تسبب في إيقاف الشحنة وعدم تمريرها إلى القسم رغم أن مخزن المستشفى استلمها فعلاً.

حالات مستعجلة

هذا ما لا تعتبره هدى كويري مبرراً، حيث تقول إنها أرسلت خطاباً في أغسطس إلى وكيل وزارة الصحة بضرورة النظر في سبع حالات مستعجلة تعرضت لمضاعفات بسبب المرض، ورد الوكيل وقتها بأنه تمت الموافقة على سفر الأطفال للعلاج، إلا أنه بعد السفر تفاجأ بعضهم بعدم وجود تفويض مالي وأن قرار العلاج غير صحيح، وأن السفارة في مصر استلمت كتاباً من الوزير بإيقاف العلاج في الخارج.

وهو ما أكده عبد القادر عبد الرحيم والد الطفل عامر الذي سافر لغرض إجراء صورة مقطعية لابنه، كون الصورة غير موجودة بالمستشفى، وتفاجأ بأن العلاج موقف بقرار من وزير الصحة، لكن بعد إصراره وشرح حالته ووضعه الذي لا يسمح بإجراء الصورة على حسابه قامت السفارة بمخاطبة المستشفى بإجراء الصورة فقط، دون صرف أي نوع من العلاج.

يقول والد عامر إنه يشتري جرعة العلاج الكيماوي على حسابه الخاص كل عشرين يومًا، وأحيانًا يضطر إلى السفر إلى جمهورية مصر لإحضارها، ولو تأخر عن شرائها تسوء حالة ابنه الصحية، كما أنه يضطر للسفر لإجراء الصورة المقطعية التي تحدد مدى استجابة الجسم للعلاج، والتي تبلغ تكلفتها بتونس حوالي عشرة آلاف دينار تونسي.

وذكر أن ابنه في وقت سابق ظل ثلاثة أشهر ينتظر صورة مقطعية ولم يحصل على تكاليفها، ما جعل الأطباء يستمرون في إعطائه جرعات كيماوية دون أن يعرفوا مدى استجابة الجسم لها.

وضع البلاد

سبب إيقاف العلاج في مصر حسب وكيل وزارة الصحة كان تراكم الديون على الدولة الليبية لصالح مركز الاسكندرية لعلاج الأورام، الذي كان متعاقداً مع الوزارة لاستقبال الحالات الموفدة للعلاج، وهم كوزارة لا يملكون حلاً لهذه المشكلة، سوى أنهم توجهوا بخطابات لجميع الجهات ذات العلاقة برئاسة الوزراء، ولجنة الصحة بالبرلمان، والمنظمات الإنسانية لضرورة النظر في هذا الموضوع، “كونه خطير ولا يمكن تأخيره” حسب نادر كويري.

وأرجع كويري سبب نقص الأجهزة الخاصة بالتصوير بقسم الأورام إلى عزوف الشركات الأجنبية عن استكمال المشاريع الخاصة ببرنامج العلاج الإشعاعي والعلاج النووي المفترض وجوده في قسم الأشعة في مستشفى الهواري، والأشعة في مركز بنغازي الطبي، نتيجة الأحداث التي مرت بها بنغازي بصورة خاصة، وليبيا بصفة عامة.

الدكتورة رحاب شمبش اختصاصية الأورام بمركز بنغازي الطبي تؤكد المشاكل السابق ذكرها، وتضيف بأن أغلب المرضى نتيجة سوء وضع المستشفيات يتم تشخيص حالاتهم في مراحل متقدمة ما يجعلهم في حاجة إلى بدء العلاج في أسرع وقت، “ولكن بسبب عدم توافر العلاج وعدم قدرة المريض على شرائه نتيجة التكلفة الباهظة نضطر إلى تأخير العلاج، وفي بعض الأحيان إلى إيقافه، مع أن هناك جهات خيرية تحاول المساعدة في توفير جرعات للمرضى، لكنّ الموضوع يحتاج دعماً مستمراً”.

وأثناء جولة مراسلون داخل أروقة القسم أخبرتنا إحدى الممرضات عن حالة تحتضر، تبلغ من العمر عشر سنوات، اختار لها والداها من الأسماء “شهد” كانت خطوات الموت أسرع إليها من شهد الحياة، لتصبح الضحية التاسعة خلال هذا العام، ولا بوادر لحلول قريبة.